عبد القوي حسان
الإسلام .. وثقافة التاريخ
في نهاية القرن التاسع عشر توجه الانتباه إلى أن الإسلام بحاجة إلى تجديد, وتم ذلك على أيدي مخلصين كبار, أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا، وأهم ما تم طرحه في ذلك الوقت الإسلام وقضايا العصر, وكان من نتائجه قيام حركات سياسية إسلامية على أساس الخلافة وإصلاح المجتمع وحركات قومية على أساس الاستقلال من الدولة العثمانية, وكانت هذه الحركات الإسلامية منها خاصة أسيره لمنطلقات (تاريخية) ظنت أنها من أساسيات الإسلام كدولة ومجتمع وأهم هذه المنطلقات:
ـــ الانطلاق من أن ما فعله الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم هو من أساسيات الإسلام, علما بأنه اجتهاد أنساني (ثقافي) بحت, وبالتالي عدم التفكير بوضع أسس يقوم عليها المجتمع على أساس التنزيل الحكيم والاجتهاد الإنساني المعاصر مستعملين أدوات المعرفة المعاصرة.
ـــ عدم التفكير بمراجعة أصول الفقه والتشريع الإسلامي واستلهام أصول جديدة وبناء أسس معرفية, من أفق معاصر, ذلك أن (ثقافة التاريخ) حالت دون تجديد الرؤية فتوقف العقل بسبب مرض حذرنا القرآن منه (مرض الآبائية) قال تعالى (بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على أثارهم مهتدون) (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون) ونحن حين ننظر إلى هذه الآيات نظن أنها تعني مشركي العرب وأنها لا تعنينا مطلقاً علما أنه سبحانه ذكر فيها داء يصيب كل الأمم قاطبة مؤمنة وغير مؤمنة أطلق عليه اسم الأبائية (ما ألفينا عليه آباءنا) ولا أعتقد بوجود شعب في الأرض مصاب بهذا الداء المزمن كإصابتنا نحن به ظانين أننا نحسن بذلك صنعا.
ـــ ربط الإسلام من خلال السياق التاريخي للدولة الإسلامية بأشخاص, ولم يتم تحويله إلى مؤسسات. فالعدل مربوط بشخص الحاكم, والإسلام في أذهاننا أسير شخص الحاكم, فإذا كان الحاكم جيدا فالأمور بخير, وإذا كان سيئا فالأمور عكس ذلك, وبالتالي فإن المجتمع الإسلامي مجتمع هامشي, ليست له أية فاعلية, والمثال التالي يوضح معنى ربط الإسلام بشخص ومعنى عدم تحويله إلى مؤسسة:
عمر بن الخطاب شخصية تاريخية
موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما أعطى اليهود ضماناً اجتماعياً من مال المسلمين, وهو موقف نفخر به حين نذكره ونسجله لعمر كرأس الدولة, لكننا نرى اليوم في نهاية القرن العشرين دولا غير إسلامية تعطي إعانات لكل مولود على أرضها ولو كان من أبوين لا يحملان جنسية هذه الدولة, ويحصل الأمر دون علم رئس الدولة أو رئيس الوزراء, ذلك لأن عملية الإعانة هذه وباقي بنود الضمان الاجتماعي, تم تحويله إلى مؤسسة, بحيث لا يدري بها إلا الموظف المسؤول عنها فقط.
وبقى عمر بن الخطاب عندنا (شخصية إسلامية), والحقيقة أنه (شخصية تاريخية التزمت الإسلام), لأن ربط الإسلام بشخص معين سيتحمل الإسلام إيجابيات وسلبيات ذلك الشخص وهذا غير منطقي.
أما (عمرهم) أي الغرب فتحول على مؤسسة, لا تهم موافقة رئس الدولة أو عدم موافقته.
ـــ غياب منهج الفقه الدستوري الشوروي في التاريخ الإسلامي حتى غابت معه مؤسسات تضمن حرية الرأي والرأي الأخر (حرية المعارضة) وحرية التعبير عن الرأي. وبالتالي أدى ذلك إلى ظهور مؤسسة سرطانية (الاستبداد) التي عانت ولا تزال تعاني منه أمتنا إلى هذا الزمن.
العقيدة .. وتكريس الاستبداد
أول ما بدأ الاستبداد بوضع بصماته على العقيدة وذلك بتقديم تعريف القضاء والقدر. فلكي يبرر الأمويون استلامهم للسلطة تبريراً شرعياً طرحوا المقولة التالية : لقد سبق في علم الله الأزلي أن بني أمية ستحكم الدولة الإسلامية وبالتالي لابد لهذا العلم من أن ينفذ فاستلام بني أمية الحكم هو نفاذ هذا العلم وبالتالي فحكمهم هو القدر.
وإن جلد ظهرك وأخذ مالك من (ثقافة التاريخ)
أدى هذا التعريف والمسخ للمفاهيم وهو من (ثقافة التاريخ) ليس من الإسلام إلى ربط الحاكم المستبد وجوده بقضاء الله وقدره ولم تبقى للناس حاجة إلى الاحتجاج على تصرفاته حتى شاع القول بأن الحاكم لا يعزل وإن جار وظلم ويجب طاعته وإن جلد ظهرك وأخذ مالك وهذا من (ثقافة التاريخ) ليس من الإسلام, وإن كان في صحيح مسلم لكن العلماء قد ضعفوه.
وسمع معي أبا جعفر المنصور يقف يوم عرفة خطيباً : (أيها الناس إنما أنا ظل الله في أرضه, أسوسكم بتوفيقه وتسديده وتأييده, وحارسه على ماله, أعمل فيه بمشيئته وإرادته, وأعطيه بإذنه, فقد جعلني الله عليه قفلا, إذا شاء أن يفتحني فتحني لاعطائكم , وإذا شاء أن يقفلني عليه أقفلني) (انظر العقد الفريد 4/186)
وكان من الضروري للاستبداد لكي يلزم الناس بطاعته, ولتأخذ هذه الطاعة شكلها العقائدي, بحيث يخرج من الإسلام من لم يلتزم بها ويعدم, أن تندمج الطاعة المتصلة لله ورسوله بالطاعة المنفصلة لله وللرسول مع الطاعة لأولى الأمر, بحيث تصبح هذه الطاعات على مختلف وجوهها أمرا واحدا وهو الطاعة الدائمة لله .
والفقه .. وتكريس الاستبداد
ظهر الفقه الديني (أراء الفقهاء) والسلطة المستبدة حقيقة قائمة, فأثر سلباً على مظاهر التدين عند المسلمين فخرجت هذه المظاهر مشوهة حسبت مؤجرا على أنها من الدين والحقيقة هي من (ثقافة التاريخ).
والآراء الفقهية هي من هذه المظاهر التي أثر فيها الاستبداد السياسي فخرج الفقه الإسلامي خالياً من الفقه الدستوري الذي يحدد شرعية الدولة والعلاقة بين السلطة والمواطن, وحدود صلاحيات السلطة, وإقرار الحريات الشخصية والعامة ومبدأ الاختيار والتعبير عن الرأي, وظهر بدلا منه مفهوم الطاعة, وطاعة ولي الأمر باعتبارها من الفضائل الدينية, كما ظهر فقه العبادات كالوضوء والصلاة والحج والزكاة حتى شمل هذا الفقه كثيراً من المجلدات, علماً أن العبادات جاءت للعالم والجاهل واضحة للعامة والخاصة مفصلة لا تحتاج لكل ذلك, وما زال يجري التركيز عليها بسبب داء الآبائية الذي وصلنا بالوراثة.
الاستبداد الفقهي … والتجديد
وفي عصر التدوين بالقرن الثاني الهجري, تم تأطير الإسلام ضمن أطر مازالت موجودة حتى يومنا هذا, وتم تعريف السنة ووضع أصول الفقه, وحتى أصول اللغة العربية, ضمن أطر نبعت من المعارف السائدة أي من قبل أناس محكومين بالنظم المعرفية السائدة في ذلك الوقت, ولما كان الله مطلقاً وما عداه نسبي فكل ما تم وضعه كان من باب تفاعل الناس مع التنزيل, منسوبا إلى القرن الثاني الهجري وبعد وضع هذه الأطر التي لا خروج عنها ، اقتصر البحث في الممكنات العقلية التي يمكن استنباطها ضمن تلك الأطر والنظم (القديمة) وحتى يومنا هذا إلى أن تم استنفاذها.
ونسمع بين الحين والأخر من يقول : افتحوا باب الاجتهاد !! ونحن نقول إن باب الاجتهاد لم يغلق أصلا حتى نطالب بفتحه, ومجامع الفقه الإسلامي مشرعة لا أحد يمنعها من الاجتهاد.
لكن إمكانية الاجتهاد ضمن الأطر التي رسخت منذ القرنين الثاني والثالث الهجري قد استنفذت, ولم يعد الاجتهاد ممكنا إلا إذا تم تجاوز هذه الأطر والعودة إلى قراءة التنزيل الحكيم على أساس معارف اليوم واعتماد أصول جديدة للفقه الإسلامي.
لا عقل لدينا ولا فكر إلا التقليد
والأدهى من ذلك كله أنهم (أي المستبدون) لم يكتفوا بوضع الأطر القديمة وتحديدها بل تم إغلاق هذه الأطر تماما حيث مازال رفض إعادة النظر فيها قائما لأنه بزعمهم لا يوجد أناس قادرين على الفهم وإن تطور التاريخ والمعارف الإنسانية وعلينا (بزعمهم) أن ننظر إلى أنفسنا نظرة دونية بالمقارنة بالسلف, ولا أمل لنا مهما فعلنا بالوصول إلى مستواهم, وأن التاريخ يسير إلى الوراء لا إلى الأمام, وأننا أمام إما نقل الحاضر إلى الماضي أو نجر الماضي إلى






















